
الوهج الأخير
"أين
أنت أيتها اللعينة ؟" ، قالها بعصبية و بصوت مسموع و هو يفتش فى الأدراج بحثا عنها
.
الشمعة "الخالدة " كما يسميها و التى يتذكرها كلما غاب النور، فيبحث عنها ويوقدها
.لم
يدر أنها سمعته ، برزت إليه فى الظلام لتصطدم بأصابعه، فأخذها بلهفة ، و بحنق
عاتبها قائلا :" أين كنت؟ كاد الطعام أن يحترق وأنا أبحث عنك
."
قال ذلك وهو
يجرى بها نحو المطبخ بعد أن أشعلها، ولم ينتبه لذؤابتها وهى تتحرك بعنف غاضبة من
كلامه، ولم يسمعها وهى تقول له :"هكذا أنت دائما ، لا تتذكرنى إلا عند الحاجة. ثم
تعود وتتهمنى وتلقى على باللوم كله. إحترس، أنفاسك الغاضبة ستطفئ نارى، وعندئذ
ستلعننى كعادتك ." قالتها وانسابت دموعها المنصهرة على يديه فاحترقت أصابعه، فلم
تسلم من لعناته.
وبعد أن فرغ من الطعام ، مضى بها نحو الحمام كى يغسل يديه، ثم
خرج مسرعا نحو المكتب لاستئناف كتابة التقرير المطلوب منه، فلن يستطيع الذهاب إلى
عمله بدون هذا التقرير كالتلميذ الكسول الذى يتحجج بانقطاع النور. وفى غمرة رواحه و
مجيئه لم يلتفت إليها ، لم يدر أنها فى النزع الأخير ، وأن إيقاعه السريع يعجل
بفنائها.
ظلت تصرخ فيه أن احترس . أنت بهذا تقتطع من عمرى، ظلت تصرخ و تتوهج مع
صرخاتها المحذرة فلا يستجيب. كان كل همه أن ينجز ما عليه فالنور لن يأتى الليلة
.
وأخذ يكتب وهى إلى جواره، ولا يسمعها وهى تعاتبه قائلة:" أنت الآن بحاجة إلىّ
،
وها أنا عن طيب خاطر أعطيك مالدى، ولكنك تقتلنى و تقضى على ، ولطالما سمعتك تقول
إنك ستأتى بغيرى ، ولكن إذا ما انتهيت وفنيت ، هل يمكنك أن تأتى بى ؟"
ومع
آخر كلماتها توهجت الوهج الأخير وتحركت ذبالتها بعنف وهى تحتضر، والتفت فجأة وهو
يضع قلمه مع آخر أنفاسها ، ليلمح صورة فى إطارـ عليه شريط أسود ـ لامرأة تبتسم بحزن
.