
ضحكات علمية
1 ـ "ريحة اسيتك اسيد"
بعد يوم طويل فى معمل الكيمياء العضوية ، مضت تجر ساقيها وقد نال منها التعب مناله ، و كانت حصة الغداء قد وجبت . وكلما مرت بمنزل من المنازل تغازل شهيتها روائح الطعام المنبعثة منها، حتى حملت لها الأنسام رائحة نفاذة تسبب حرقة فى الأنف . تلك الرائحة تعرفها جيدا فقد مرت عليها مرات عديدة فى معمل الكيمياء العضوية ، وبالفعل تعرفت عليها فورا قائلة لنفسها :"ريحة أسيتك أسيد" . ثم ضحكت من نفسها قائلة لها
هذه قدحة فتة بالخل و الثوم. و وبخت نفسها قائلة : أنسيت الخل؟
ولأن المسافة للبيت لم تكن قصيرة سرحت مع هذه الفكرة، و راحت تقارن بين الخل الذى تعرفه منذ طفولتها و الذى يدخل فى العديد من الأطعمة الشهية ، و حمض الخليك الذى تستخدمه فى معمل الكيمياء العضوية.
وكى تواسى نفسها بدأت بالتماس العذر لها فى هذه الواقعة بتذكير نفسها أن الخل هو نفسه حمض الخليك من حيث التركيب الكيميائى CH3COOH ثم ابت عليها نفسها هذا المبرر وراحت تجادلها فى بطلان هذه الحجة لنسيان الخل. وبادرتها قائلة : ولكنك لا تستخدمينه فى المعمل ، خل الطعام يختلف ، فقاطعتها قائلة: أعرف. أعرف أن خل الطعام تركيزه لايزيد عن 6% حجما . فشاغبتها نفسها قائلة: لاترددى الأشياء كالببغاء، هذه معلومة مكتوبة على كل زجاجات الخل . و لو كنت تعرفين الفرق حقا لذكرت معنى هذه العبارة ." فاغتاظت من هذا التحدى واجابت نفسها قائلة:"6% حجما أى أن كل لتر من خل الطعام به 6 ملليلتر خل نقى مذاب فى الماء أى أن حجم الماء المستخدم 94 ملليلتر." واستأنفت قبل ان تبادرها نفسها بالسؤال عن السبب فى عدم استخدام الخل فى صورته النقية ، وذلك بعد أن فهمت كيف تفكرـ فقالت :" و يتم تخفيف حمض الخليك للحصول على خل الطعام فى صورته المعتادة ، وذلك للإقلال من تأثيره الحارق الذى قد يسبب قروحا فى الجلد لكونه حامضا ، كما قديصيب المعدة بالقرحة، وأن تخفيفه يسهل من التحكم فى المقدار المضاف للأطعمة لإكسابها المذاق اللازم."
والتقطت انفاسها ظنا منها أنها انتهت من كل ما قد يخطرعلى بالها من تساؤلات حول حمض الخليك الذى غاص فى ذاكرتها بدلا من الخل، ولكن سرعان ما عن لها سؤال تسأله هى لنفسها فقالت:" لو صحيح انك عارفة، تقولى لى ماهو حمض الخليك اللامائى؟" ،وقبل أن تجيب انطلقت كالمدفع الرشاش فى وجهها :"اياك ان تكونى قد نسيت أن حمض الخليك اللامائى لايستخدم إلا فى المعمل أو أنه سائل لا لون له و يغلى عند درجة139.5 مئوية. و أنه شحيح الذوبان فى الماء عندما يكون فى حالة من النقاء التام، ورغم اسمه الحمضى فإن تركيبته (CH3CO)2O تجعله متعادلا ، كما لاتنسى أن رائحته نفاذة و تسبب هياجا للأنف،و لأنه مركب عضوى فهو سريع الذوبان فى المذيبات العضوية مثل الأيثير أو البنزين، و من البديهى أن يكون شديد الميل للذوبان فى المواد القلوية حيث أنه من الأحماض العضوية فى نهاية الأمر....." وقبل أن تفيق من حوارها مع نفسها كانت قد وصلت إلى البيت ، لتفيق على ترحيب امها بها قائلة :"أعددت لك اكلة تحبينها جدا... فتة بالخل و الثوم." فنظرت لنفسها فى المرآة قائلة:" تانى أسيتك أسيد ....تانى!"
2 ـ ذرة ملح ... جزئ ملح ...بل ذرة ملح
قالت لها أمها و هى تساعدها فى الطهى :"ضعى ذرة ملح على السلطة" ، فاعترضت الابنة قائلة :" لايصح أن نقول ذرة ملح ، فالملح مركب من ذرتى الصوديوم و الكلور، و بالتالى هو جزيئات و ليس ذرات"
فردت الأم قائلة :" يعنى لو قلت لك أن تضعى جزيئا من الملح ستقدرين!
ثم ان كلمة ذرة مستخدمة من القدم ، من قبل اكتشاف الذرة. هل تريدين ايقاف استعمال اللغة لمجرد أنك دخلت قسم الكيمياء بالكلية!"
و لم تشأ الفتاة ان ينتهى الحوار عند هذا الحد و أرادت ان تستمر فى الثرثرة فى المادة التى تحبها و هى الكيمياء، و التفتت لترى لهب "البوتاجاز" ذهبيا فقالت :" هل تعرفين يا أمى السر فى هذا اللون الذهبى المنبعث من عيون البوتاغاز؟"
فأجابتها الأم:" لأنها متسخة و تحتاج للتنظيف ، ربما انسكب عليها شيء ما" . فردت البنت قائلة:" هذا بسبب ذرات الصوديوم الموجودة بملح الطعام ، فهى المسؤولة عن هذا اللون الذهبى، وفى المعمل نقوم بتجربة أكثر تعقيدا للكشف عن الشقوق القاعدية بملاحظة التغير فى لون اللهب، ولو أنك القيت ببعض من مسحوق الخبيز (البيكنج باودر) أو حتى بعض من مسحوق الغسيل ، أو أى مركب آخر يحتوى على الصوديم لحصلت على نفس اللون الذهبى."
ردت الأم :" ان ننتهى من الكيمياء فى يومنا هذا" فردت البنت:" و لكن يا أمى الكيمياء حولنا فى كل مكان ، فمثلا انت كيميائية بدون ان تتعمدى ذلك
و اصدق مثال على هذا انك تضعين الملح فى الماء بعد تسخينه لكى يسهل عليك إذابته، و ذلك لأن إذابة الملح فى الماء ماصة للحرارة ، أى يحتاج قدرا من الطاقة حتى يذوب فى الماء، و هذا معناه أن محتوى الطاقة الحرارية لمحلول الملح المذاب فى الماء اعلى من مجموع المحتوى الحرارى لكل من الماء والملح . و مثلا انت لاتضعين الملح للبقول قبل ان تنضج لكى لا يعوقها الملح عن النضج حيث يتفاعل مع بعض الأحماض الأمينية الموجودة بها و يكون رابطة قوية تمنعها من النضج." " وهل تعرفين أن الرقم البلورى لكلوريد الصوديوم هو ستة ، اى أن كل ذرة، آسفة أيون موزع حوله ستة أيونات من العنصر الآخر لتشكل شكلا ثمانيا وأن بلورة الملح على شكل مكعب؟"
هزت الأم رأسها و قالت :" و هل انتهينا من الذرات و الجزيئات لندخل فى الأيونات؟ كل هذا و لم تضعى الملح على السلطة ، كفاك ثرثرة و ضعى الملح. أيونات، جزيئات، لا يهم. المهم أن تضعيه ، ضعى الملح."
http://www.answers.com/main/ntquery?method=4&dsname=Wikipedia+Images&dekey=Sodium+chloride+crystal.png&gwp=11&linktext=
3 ـ كله عند العرب صابون
قالت الأم لعامل التوصيل:" هذا الصنف من الصابون السائل لا يعجبنى ، لماذا لم تحضر النوع الذى طلبته منك؟" وهنا تدخلت ابنتها قائلة:" لا يهم يا أمى خذيه فلا فرق بينهما." فاغتاظت الأم لهذا التدخل و التفتت متسائلة :"كيف لا يوجد فرق، هذا النوع خفيف ، أما الآخرفهو كثيف ورغوته أوفر."
فهزت البنت رأسها قائلة:" ولكن ألا تذكرين يا أمى المثل الذى كنت ترددينه دائما ’كله عند العرب صابون‘ هذا المثل صحيح مائة بالمائة. فالفارق بينهما فى الإضافات ، لا فى التركيب نفسه مجرد استايارات صوديوم، أما الكثافة التى تغرى الناس بتفضيل نوع على الآخر فذلك حسب كمية السبيداج التى توضع به لتكثفه ، أى فى كمية مغلظات القوام التى توضع به لتكسبه هذا القوام الغليظ."
فردت الأم :" وليكن ما تقولينه صحيحا ، أنا أفضل النوع الآخر لوفرة رغوته التى تجعله ينظف أفضل." فردت البنت قائلة:" العبرة ليست فى الرغوة، فالرغوة غير مسئولة عن التنظيف بل على العكس تماما."
تساءلت الأم بدهشة :" كيف ذلك؟" لترد ابنتها بثقةـ و بصوت يحاكى جهاز التسجيل وهى تعيد عليها ماسمعته فى ذلك اليوم فى محاضرة كمياء السطوح ـ قائلة:" وظيفة الصابون الحقيقية تتمثل فى أمرين ، الأول تغيير قيمة الpH للماء للقضاء على الجراثيم ، أما الأخرى فهى تكوين طبقة سطحية نشطة حول القاذورات لتنفصل عن الأشياء التى نغسلها لنزيلها بعد ذلك بالشطف بالماء ، و الدليل على ذلك أن صابون الغسالات "الفول اوتوماتيك" رغوته منخفضة ، بل وتستخدم هذه الصفة للترويج له فى الإعلانات ، فى حين أن الصابون السائل يتم الترويج له بوفرة الرغوة، وهذا صابون و الآخر صابون ، فالعبرة إذا ليست فى الرغوة."
فتساءلت الأم :" تعنين ألا فارق بينهما ، و ماذا عن الpH التى ذكرتها؟"
فردت البنت :" هى القيمة السالبة للوغاريتم تركيز الهيدروجين للأساس 10 و تتراوح قيمتها من0 إلى 14، و بالتالى فهى فهى تحدد ما إذا كان المحلول حمضيا أم قلويا ، فإذا زادت قيمتها عن 7 كان قلويا و إذا نقص عن 7 فهو حامض ، و بديهى أن تساوى 7 فى حالة الماء و المواد المتعادلة كيميائيا ."
و هنا ارتفع صوت يملؤه الضجر قائلا:" الحساب يا مدام ، أريد العودة لعملى."
4 ـ خدعوك فقالوا
مضت عدة أيام و الأم تستعمل الزيت فى الطهى بدلا من السمن للحفاظ على رشاقة الأسرة، إلى أن لفت الأمر نظر ابنتها فسألت امها عن سر تخليها عن الطهى باستخدام السمن البادى الذى عودتها عليه من الصغرز
فردت الأم :" حتى لا نصاب بالسمن فالسمنة من السمن، و الزيت أخف."فاعترضت الإبنة كعادتها قائلة:" إن كانت المسألة كذلك ، فمن الأفضل ألا تضعى زيتا فى الأكل ، فمثله مثل السمن فى عدد السعرات الحرارية ." واستأنفت قائلة:" الفارق بين الزيت و السمن فى التركيب الكيميائى، فالزيت احماض دهنية غير مشبعة، أما السمن فهو عبارة عن أحماض دهنية مشبعة."
فتساءلت الأم عن مغزى كلمة مشبعة التى تكررت فى كلام ابنتها، فأجابتها قائلة:" أى ان الروابط الكيميائية فى السمن مشبعة كلها بالهيدروجين فى حين أن الروابط الكيميائية التى فى الزيت غير مشبعة ، بمعنى أنه يحتوى على روابط تساهمية ثنائية، و هى الفكرة التى على أساسها يتم تصنيع السمن الصناعى ، وذلك بهدرجة الزيت حتى يتشبع ليصبح فى قوامه وتركيبه الكيميائى مشابها للسمن الطبيعى، ولذلك من غير الصحى ان يسخن السمن الصناعى لكى لاتنكسر هذه الروابط بشكل غير صحى فينتج عنه الألدهيدات السامة و التى تضر بالكبد."
فتساءلت الأم:" هل تعنين أنه لا فرق بينهما على الإطلاق، وماذا عن أضرار السمن التى يتحدثون عنها دائما."
فأجابتها ابنتها وفى نفسها سعادة غامرة للفرصة التى اتاحتها لها أمها لتكرار محاضرة تحليل المواد الغذائية التى تفضلها، و اتخذت سمت العليم بالأمور قائلة:" يا أمى الحبيبة انت لايخفى عليك أن لكل شيء فى الحياة منافعه و أضراره، و أن الأضرار يظهرها الإفراط، فالسمن ليس ’بعبا‘ يحمل الكوليسترول رغبة منه فى إيذائنا، فللسمن فوائده الصحية حيث يحتوى على فيتامين ب المسئول عن تقوية الأعصاب وهذا يفسر عصبية من يتبعون حمية قاسية خالية من أية دهون. هذا إلى جانب أن الكوليسترول ليس مخيفا إلى هذا الحد ، وهو أحد مكونات غشاء الخلية ، ومادامت نسبته غير مرتفعة فى الدم فلا خوف منه."
فردت الأم متسائلة:" أليس هو المسئول عن الإصابة بالتصلب فى الشرايين؟"
فردت الإبنة قائلة:" يا أمى الحبيبة ، بصفتك محامية لايصح لك إلقاء التهم على الأبرياء."
فدهشت الأم من هذه النقلة الغريبة فى الحوار، ولكن لم تستمر دهشتها طويلا، فقالت البنت:" تخيلى حضرتك أن الإصابة بتصلب الشرايين جريمة تحدث فى جسم الإنسان، فمن يكون المجرم؟ ليس الكوليسترول وحده، إذ توجد عدة عوامل تشترك كلها و أحيانا ينفرد عامل منها بهذه الجريمة، منها الإفراط فى الدهون، و البدانة المفرطة أحيانا ، ففى بعض الأحيان يصيب هذا الداء معتدلى القوام ، و كذلك التدخين و قلة الحركة، بمعنى آخر كل العادات غير الصحية قد تتسبب فى وقوع الجريمة. أو لوشئت استخدام تعبير قانونى كالذى تستخدمينه فى مرافعاتك ، فإن وجود الدوافع القوية وتوافر الملابسات يزيد من احتمالات وقوع الجريمة وهى الإصابة بتصلب الشرايين."
وهنا ظهر الارتياح على الأم و قالت :" الحمد لله أنك التحقت بكلية العلوم قسم الكيمياء، الآن يمكننى طهى البامية بلا خوف."
5 ـ إنذار... إنذار
ملأت رائحة الغاز أرجاء المنزل بعد أن فار الماء المعد للشاى، وهرعت الإبنة على الفور لتغلق الموقد ، لتعود إلى حجرة المعيشة حيث جلستها المفضلة مع والدتها ـ و هى تتمتم بعبارات الحمد و الشكر لله. و لكن الأم التفتت نحو ابنتها بعد أن وصل إلى سمعها كلمة غريبة تخرج من فم ابنتها أثناء شكرها لله لرحمته بهم، وهنا سألتها أمها قائلة:" ماذا كنت تقولين أثناء عودتك من المطبخ؟"
ردت البنت:" كنت أقول الحمد لله الذى خلق لنا الميركابتان و مشتقاته فلولا ثلاثى بيوتيل الميركابتان لكنا فى خبر كان."
تنهدت الأم و تمتمت لنفسها قائلة " حصة كيمياء اخرى من حصصها التى لا تنتهى ، الصبر يارب" و لكنها كانت سعيدة بابنتها التى تحب هذه المادة التى يشكو منها الكثيرون و تشعر بالفخر فى قرارة نفسها ، و رفعت رأسها بابتسامة تجمع بين الصبر والتشجيع نحو ابنتها وقالت:" ماذا تعنين ؟ وعن أى شيء تتحدثين؟" فردت الإبنة و كأنها تنتظر إشارة البدء فى سباق للمعلومات قائلة:" اقول إن الميركابتان أنقذنا من الموت المحقق ، فهل تعلمين أن غاز البوتاجاز عديم الرائحة؟"
فردت الأم بدهشة:" كيف هذا، و ماهذا الذى نشمه إذا!"
فأجابت البنت :" نعم يا أمى غاز البوتاجاز ، هو فى الحقيقة غاز عضوى وهو من مشتقات البترول و اسمه غاز البيوتان و رمزه الكيميائى C4H10، وهو مركب عضوى من العائلة الأليفاتية أى التى تكون على شكل سلسلة كربونية متصلة ، و ينتمى إلى مجموعة الألكانات أى أن كل الروابط الكيميائية التى يتكون منها روابط أحادية."
ردت الأم بفضول :" تقولين سلسلة كربونية ، كيف هذا و ما شكلها؟"
ردت البنت بسعادة لتجاوب أمها :" فى الحقيقة يا أمى أنه يوجد نوعان منه البيوتان العادى و يشبه فى شكله الخيط الطويل بدون أية تفرعات جانبية ، أما النوع الأخرفهو الأيزو بيوتان و يحتوى على نفس العدد من ذرات الكربون و الهيدروجين مع اختلاف بسيط فى التوزيع غالبا ما يتبعه تغيير فى الخواص الكيميائية. إلا أن النوعين يتميزان بقابلية عالية للاشتعال وهما بلا رائحة ولا لون، و يمكن إسالتهما وتعبئة اسطوانات الغاز بها ولذلك سمى البوتاجاز، اختصارا لكلمتى بيوتان و غاز."
و هنا قاطعتها الأم بعد أن لمع بذهنها خاطر فعقبت على كلامها بالقول : "ولذلك يقولون على بعض الشركات و المصانع إنها نالت شهادة الأيزو، هل تعنين أنهم استعاروا هذه الكلمة لبيان أن الشركة أو المصنع أصبحت مواصفات إنتاجه مطابقة لمواصفات المصنع أو الشركة الأصلية ."
فردت البنت بسرعة:" تقريبا ، فكلمة أيزو كلمة لاتينية مترجمة عن الإغريقية و تعنى "يساوى" أو ”يكافئ” ".
و يبدو أن أمها قد أصيبت بالعدوى من ابنتها فى الحماسة للكيمياء
فردتها للموضوع الرئيسى بالسؤال عن الميركابتان:" ولكن انت قلت ميركابتان ، فهل هو نوع آخر من الغازات؟ و هل هو قابل للاشتعال؟"
فردت ابنتها:" الفكرة ليست فى اشتعاله ، الغرض الرئيسى منه هو الحماية كما حدث اليوم.فهو يتميز برائحته النفاذة بسبب احتوائه على عنصر الكبريت ، و هناك عدة أنواع منه ، ويمكن تسميته بالثايول لوجود مجموعة SH التى تميزه مرتبطة بالسلسلة الكربونية، فمثلا رائحة البصل نشمها بسبب رائحة الألايل ميركابتان التى تنبعث منها عند تقطيعها ، ورائحة الظربان التى يدافع بها عن نفسه ما هى إلا بيوتايل الميركابتان، أما النوع الذى نستخدمه مع غاز الوقود فهو ثلاثى بيويتيل الميركابتان.
والسبب فى إضافته يعود لحادثة شهيرة ، فقد حدثت مأساة فى الثامن عشر من مارس سنة 1937 فى تكساس ، وذلك عندما تسرب غاز الوقود أى البيوتان فى مدرسة "نيو لندن" مما أدى إلى انفجار ضخم راح ضحيته أكثر من 300 من الأساتذة والتلاميذ . ومن يومها تم إضافة الميركابتان إلى غاز الوقود لكى يتنبه الناس لأى تسرب يحدث، و خاصة أن غاز البيوتان يسبب نعاسا شديدا يجعل الناس تختنق أثناء نومها، ولولا الميركابتان لما لاحظنا التسرب اليوم." و أمسكت عن الكلام للحظات و احمر وجهها ، فسألتها أمها عن السبب، فردت قائلة:" لن تتصورى يا أمى ما حدث فى محاضرة الكيمياء العضوية عن الميركابتان ، لكم شعرت أنا و بقية الفتيات بالخجل."
مالت الأم نحو ابنتها فى اهتمام وقلق واضحين و سألتها :" لماذا يا بنيتى تقولين هذا الكلام؟"
فردت الفتاة بصوت خفيض لا يكاد يسمع، وبنظرات مصوبة نحو الأرض أو السقف أوى أى اتجاه آخر لا تلتقى فيه بنظرات أمها المتوجسة، وقالت: " تصورى يا أمى ، وقف أحد الطلبة و سأل الدكتور عن الميركابتان وهل يؤثر وجوده على حجم الغاز الذى نشتريه فى أسطوانة الغاز، تخيلى ماذا كان رد الدكتور حينها؟"
ردت الأم بلهفة :" ماذا؟" أجابت البنت:"قال له الدكتوربسخرية و هل ستملأ الاسطوانة حتى نصفها أوحتى ربعها ؟ انظر ماذا يحدث عندما تنطلق منك واحدة، تملأ هذا المدرج حتى تصل إلى فى مكانى ، أقعد أقعد." "وطبعا ضج الطلبة و الطالبات بالضحك ، و لحسن الحظ أن انتهت المحاضرة بعد ذلك مباشرة."
و لم تملك الأم نفسها وضحكت بصوت عال لحظة دخول الأب الذى تساءل عما يضحكها ، فلم تستطع البنت تكرار الحكاية أمام أبيها خجلا منه، فخرجت مسرعة بحجة الشاى الذى لم تنته من تحضيره.
6 ـ حلاوة السكر
اكتفت الفتاة بوضع ملعقة سكر واحدة لأمها فى كوب الشاى بدلا من ملعقة ونصف، وقدمته لها قائلة :"بالهناء والشفاء يا أمى." فاستغربت الأم و تشككت فى نفسها أن يكون بصرها قد خدعها ، فسألت ابنتها قائلة:"ما مقدار السكر الذى وضعتيه لى يا بنيتى؟" فأجابت بثقة:" ملعقة واحدة."
فردت الأم بدهشة:" هل هذه هى المرة الأولى التى تعدين فيها الشاى ؟ أنت تعلمين تمام العلم أننى أضع فيه ملعقة ونصف الملعقة، أم أنك تريديننى أن أشرب الشاى وفقا لمزاجك !"
فابتسمت الفتاة بثقة و قالت لأمها:" تذوقيه أولا ثم احكمى."
ولأنها تدرك تماما طبع ابنتها المغرم بالتجربة و المشاهدة ثم الاستنتاج كما تعودت فى قسم الكيمياء، طاوعتها ورشفت رشفة كحسوة الطير ارضاء لها، لتعلو الدهشة وجهها بعد ذلك فقد كان مضبوطا. وسألتها :" ما هذا أمتأكدة أنت أنك وضعت ملعقة سكر واحدة فقط؟"
فهزت البنت رأسها بإشارة تعنى نعم، فازدادت حيرة الأم و سألتها :" ولكن كيف هذا ؟ المذاق مضبوط هل تعلمت السحر مع الكيمياء كما كانوا يشيعون قديما؟"
قالت البنت وهى تبتسم:" لا يا أمى ، ليس سحرا، ولكنى لاحظت أن كيس السكر هذه المرة لونه داكن، فاكتفيت بملعقة واحدة ممتلئة قليلا." فسألتها الأم :" وهل هناك علاقة بين لون السكر وحلاوته؟" فجاوبتها البنت بثقة: "بالتأكيد، فكلما كان السكر داكنا كلما كان أحلى ألا يقولون ’السمارنص الجمال‘ ، حتى فى السكر السمار أحلى."
ابتسمت الأم لتدليل ابنتها المستتر لها ، وعادت تسألها:" دعك من المزاح واشرحى لى السبب العلمى وراء هذه الظاهرة كما عودتنى." فتهللت الإبنة لقول أمها وسماحها لها بالكلام عن العلم الذى تفضله عن سائر العلوم ، واستهلت الكلام بقولها :" تعلمين يا أمى مراحل تصنيع السكر ، بدءا من استخلاصه من القصب ثم تبخيره فى درجات حرارة منخفضة للحصول على المولاس الشبيه بالعسل الأسود، ثم جمع بلورات السكر المترسبة وإذابتها فى الماء لغسلها وتمرير المحلول فوق الفحم الجيوانى للتخلص من الشوائب العالقة به، و فى النهاية يتم تبخير الماء مرة أخرى للحصول على البلورات النقية."
ردت الأم :" مالنا وصناعة السكر، أنا أسالك عن سبب حلاوته لاعن أصله ومن زرعه ومن استخلصه؟" أجابت الفتاة :" مهلا يا أمى، فالسر يكمن فى مرحلة الغسيل، فهذه الشوائب التى يتم التخلص منها هى سرحلاوته الزائدة." فسألتها الأم:" وكيف تكون هذه الشوائب سببا فى المزيد من الحلاوة؟ ألا يفترض بها العكس؟"
هنا بدأت الفتاة فى الكلام وفى عينيها بريق الفرحة بالمعرفة:"تعلمين ياأمى أن السكريات من المواد الكاربوهيدراتية ، فالمواد الكاربوهيدراتية هى ما تتركب من الكربون و الهيدروجين و الأكسوجين ، و هى سلاسل كربونية طويلة و منها السكريات و النشويات و كذلك السليولوزات التى تمثل المكون الرئيسى للأخشاب و الألياف النباتية. و السكريات هى أصغر وأبسط هذه السلاسل فى التركيب ."
"و بالنسبة للسكريات فمنها السكريات الأحادية و منها الثنائية ، والسكريات الأحادية تبدأ بسلسلة من ثلاث ذرات من الكربون لتكون التريوز ثم التتروز أى اربع ذرات كربون ، ثم البنتوز فالهكسوز الى أن تصل أحيانا إلى سبع ذرات لتكون الهيبتوزو هو أمر نادر حيث لا تحتمل سلسلة الكربون فى الظروف العادية أكثر من ست ذرات، وعند وجود ست ذرات تميل إلى تكوين حلقات ، و لهذا فهى نادرة."
التمعت عينا الأم بالحب و الرضا وهى تستمع إلى ابنتها التى تتكلم فى الكيمياء بولع يشبه ولع الأدباء بالشعر، ولم تشأ مقاطعتها لعلمه بأنها سوف تطرح كل ما لديها من معلومات بدون حاجة للمزيد من الأسئلة، وبالفعل مضت البنت فى كلامها:"و السكر الذى نستخدمه فى الطعام هو السكروز وهو من النوع ثنائى الساكارايد، فهو يتكون من الجلوكوز والفركتوز معا، أى أن كل وحدة سكروز تتكون من وحدة جلوكوز مرتبطة بوحدة فركتوز، وكلاهما من الهكسوز . وتركيب الجلوكوز يشابه تركيب الفركتوز فكلاهما تركيبه الكيميائى C6H12O6 . غير أن ترتيب الذرات يختلف ، وكذلك موضع ذرة الأكسوجين ذات الرابطة الثنائية O= ."
"وقد نسيت أن أقول لك إن تكوين البلورات يحتاج إلى الماء ليربط بين الجزيئات و بعضها البعض، وهكذا تتكون بلورات السكرمن جزيئات السكروز زائد جزيئات الماء ، وكلما كان السكر أبيض اللون ،فهذا يعنى المزيد من الماء فى البلورة مما يقلل من حلاوتها، أما فى حالة السكر الداكن، فهذا يعنى ماء أقل فى البلورة وفى نفس الوقت قدتكون هناك بعض الشوائب السكرية مثل البنتوز موزعة داخل شبكة البلورة، فتزداد حلاوتها عندئذ لهذين السببين، أولا كمية الماء فى البلورة تكون أقل و ثانيا وحدات السكر تكون أكثر، فتكون النتيجة المزيد من الحلاوة كما سبق القول."
وهنا التفتت الأم إلى يدها المعلقة بكوب الشاى الذى برد أثناء استغراقها فى حديث السكرو حلاوته ، فمضت به إلى المطبخ لتصنع كوبا غيره و لتضع فيه ملعقة واحدة من السكر الأسمر الحلو.
http://www.answers.com/sucrose?gwp=11&ver=1.1.2.381&method=3