حكايات أم هريرة

ممثلة قديرة



كنت عند قريبة لى وكانت بمثابة الأخت والابنة والصديقة لى، وكان يجمع بيننا عشقان، الكتب والقطط.
وكان من عادة زلفى أن تقسم الخبز قطعا صغيرة قبل البدء فى تناول طعامها وتسحب من هذه اللقيمات حسب حاجاتها، وفى ذلك اليوم كنا منهمكتين فى الحديث وبجوارنا واحدة من قططها الكثيرة أثناء تناول زلفى الطعام.
ولما رأتنا مستغرقتين فى الحديث أخذت تموء ولسان حالها يقول أعطنا مما أعطاك الله. فناولتها زلفى لقمة خبز، فتشممتها وأعرضت عنها.
وبعد قليل انهمكنا مجددا فى الكلام، وفى غفلة منا مدت القطة يدها تريد أن تسحب لقمة من أمام زلفى، إذ يبدو أنها ظنت أن زلفى استأثرت لنفسها بلقيمات أفضل من تلك التى أعطتها لها، ولكن لسوء حظها لمحتها أنا، فنبهت زلفى لمحاولة الاختلاس التى تحدث، فالتفتت لها...
وفى الحال مدت القطة يدها الأخرى وكأنها تتمطى وفتحت فمها فى تثاؤب مصطنع، وبالطبع ضحكنا بشدة ولكن دهشتنا كانت أكبر.

 

 

دلع مرق


كان لاكى صيادا ماهرا، وكان قطى المفضل فى تلك الفترة، وذلك لجماله وخفة ظله. إذ كان أكحل العينين وكأنها مرسومة بالقلم، ومخططا بخطوط رمادية متناسقة كأنه يرتدى بذلة عرس. لكن طباعه كانت غريبة بعض الشيء، فلم أر قطا بهذا القدر من العاطفية والحنان لدرجة أنه كان يسمح لكوكو اليتيم بالرضاعة منه رغم أن كليهما ذكر!!
ويبدو أنه كما يقال من القلب للقلب رسول حتى بين بنى البشر وبنى الحيوان، فما إن أعود من الكلية ويكون على الشجرة التى أمام البيت ويرانى حتى يبدأ فى المواء بترحاب مشوب بالاستعطاف، فكنت أرد عليه بتدليل قائلة: لاكى .. لاكى حبيبى.
وأقترب منه لكى ينزل ويعود معى إلى البيت، ولكنه لم يكن ينزل بشكل عادى، بل كان يدلى نصفه السفلى منى الشجرة، ويتظاهر بالذعر والخوف من النزول حتى أنزله أنا وأحمله على كتفى إلى الداخل.
وعبثا حاولت تجاهله، فكان يموء مواء يمزق نياط قلبى حتى أعود وأحمله وأنا أعلم تمام العلم أنه قادر على اللحاق بى لو أراد، ولم يكف عن هذه الألاعيب حتى بعد افتضاح أمره حينما رأيته وهو يصيد عصفورا من فوق الشجرة ويهبط برشاقة دونما اكتراث لوجودى.
صحيح ... ساعة البطون.

 

عادات غذائية

هاهى، لقد سرقت قطعة اللحم وها هى تختبئ بغنيمتها. تلك هى الصورة النمطية للقطط ولكن، يخطئ البعض حين يظن أن القطط تأكل اللحوم فقط، بل إن لها عادات غذائية تتفاوت من قطة لأخرى. فللقطط أذواق مختلفة ومتباينة، فعلى سبيل المثال كانت بوسى الأولى تعشق القمر الدين فى كافة صوره سواء كان جافا أو فالوذج (بالوظه)، أما ميكى وبريكى شبليها فكانا يحبان القمر الدين جافا ولا يحبانه على صورة بالوظة.
كما كانت بريكى صاحبة مزاج، فكانت تحب اللب الأسمر والشاى. وإن أنس لا أنس البس قطنا الأول الذى كان يأتى من آخر الدنيا مع طشة الملوخية التى تصنعها أمى.
أما بوسى الثانية إبنة المأسوف عليها سنووايت فكانت تعشق الزيتون الأسود، وتشترك قطط كثيرة فى حب الخيار والبطيخ أحيانا، وكان أكثرهم ولعا بالعائلة القرعية قطى العزيز لاكى، الذى كان يحوم حول البطيخة بغيظ لا يدرى من أين يفترسها. ولشدة عشقه للخيار، حدث ذات يوم أن أعدت أمى وليمة لبعض الضيوف، وجملت طبق البفتيك بالخيار وفى غفلة منا سرق لاكى قطع الخيار المجاورة للحم وترك القطع كلها لم يقربها مكتفيا بالخيار. ومن يومها صرنا نتندر عليه ونسميه الفقرى.

 

 

خيبة أمل

ذكرت آنفا أن أذواق القطط وعاداتها فى الأكل تتفاوت، ومن صاحبات المزاج العالى فى الأكل كانت قطتى بوسى الثانية ابنة المأسوف عليها سنو، والتى كانت تعشق الزيتون الأسود.
وللقطط الأمهات عادة تشى بأمومتها الجارفة، وهى أنها حين تظفر بغنيمة ما تهرع بها نحو أولادها، وتموء مواء مناديا، فيهرولون نحوها ملبين بنداء فرح مرح مشتاق، حتى لو كانت جائعة فهى تؤثر أولادها على نفسها وتقتات على بقايا ما يتركه أولادها إن وجد، أو تفتش عن رزقها فى مكان آخر.
وحدث أن أعطيت بوسى الثانية زيتونة ضخمة (متختخة)، ففرحت بها وهمت بأكلها ولكنها أحجمت وماءت مواءها المعتاد، فأسرعت نحوها هريراتها بفرح وهى تمنى نفسها بغنيمة عظيمة، ولكن ويا لخيبة الأمل، كل ما وجدوه هو زيتونة ضخمة، تشممتها كل واحدة منها باشمئزاز وحدجت أمها بنظرة موبخة محبطة، وأنصرفن الواحدة تلو الأخرى ولسان حالها يقول ’’يا ما جاب الغراب لامه‘‘.
وبقيت بوسى الثانية وحيدة وعلى وجهها أمارات الخجل والخيبة، ونظرت للزيتونة كاسفة البال، ثم طوت حسرتها ودفنت حزنها فى غنيمتها التى لم يعرف غيرها قدرها، وانفردت بالزيتونة وأكلتها هنيئا مريئا.

 

 

جنون الكرة
كان المأسوف على شبابه سامبو ابن الولدة الثانية للمأسوف عليها سنو، وكان طيب الله ثرى الجميع النسخة ’’النيجاتيف‘‘ أو العفريتة لأمه سنو، فقد كانت بيضاء كالثلج ذات فراء ناعم غزير، وغرة سوداء متناثرة الشعراتـ ، أما سامبو فكان أسود اللون لامعه كأنه خارج للتو من وعاء زيت.
وكان شديد الولع بالتليفزيون بالأخص بمباريات كرة القدم.
ولم ألحظ هذا الشغف إلا حينما احتدمت مباراة فى يوم من الأيام، فقد كنت أعتقد أنها مصادفة أنه كان يجلس فى مكانى المفضل على الأريكة، ويراقب التليفزيون، فكنت أعتقد أنه يبدو وكأنه يتابع ما يدور على الشاشة، حتى يوم المباراة الحاسمة بين الأهلى والزمالك، وبالطبع كأى مصرى وطنى قمنا بتشغيل الماتش واكتفينا بالمتابعة بالسمع أثناء تحضير وجبة الغداء.
وعندها انفرد سامبو بالصالة وبكل المقاعد فصار يتنقل من مكان لآخر مقتربا من التليفزيون أكثر فأكثر، حتى احتدمت المباراة ولونت الحماسة صوت المذيع، فوجدت سامبو ملاصقا للتليفزيون واضعا وجهه فى شاشته وعينه معلقة بها، وما هى إلا لحظات حتى انفعل بما يدورأمامه ومد يده محاولا الإمساك بالكرة دون جدوى.
يبدو أنه كان ينوى تسجيل هدف بمعرفته، ولو صبرنا عليه قليلا لحدثت المعجزة ولسمعناه يقول: شوط يا جدع.
حمدا لله أنه كان أبكم ولا يمكنه سب اللاعبين مثل الجماهير الآدمية.
يكفينا السباب الآدمى، لا ينقصنا السباب القططى.

 

دعاء مستجاب


لم أكن أعرف أن دعوتى مستجابة إلى هذه الدرجة، حتى جاءنا كوكو اليتيم. وبالمناسبة هو لا يمت بصلة قرابة لسعد اليتيم، والأحداث التى ترد فى هذه الحكايات كلها حقيقية، وأى تشابه فى القطط هو محض مصادفة، وجميع الحقوق محفوظة لقبيلة أم هريرة.
ولنعد إلى كوكو اليتيم ولنبدأ حكايته من البداية بعد أن ورد ذكره فى قصة سابقة مع لاكى.
فى أحد الأيام عدت إلى البيت لأجد ضيفا جديدا وقد حل ببيتنا، فسألت أمى عما جاء به، فقالت لى إن زلفى أحضرته من المدرسة بعد أنقذته من يد ’’الدادة‘‘ التى كانت تهم بإلقائه عبر السور وقتله بلا رحمة.
وكان صغيرا وجميلا جدا وخفيف الظل، وكان به شبه واضح من لاكى ولذلك أسميته كوكو، ولكن ركبنى الخوف عليه من لاكى بعد أن اكتشفت أنه ذكر، فمن عادة ذكور القطط أن تفترس الذكور الصغيرة، أو تغتصبها وخاصة إذا كان الذكر المفترس عجوزا، إذ يبدو أن للأمر علاقة ما بالهرمونات، لا أدرى بالضبط ولكن هذه هى عادتهم على كل حال.
ولكن لاكى كان قطا فوق العادة، فقد كان قطا بلديا جميلا فى عنفوان شبابه، ولكنه كان وحيدا وسط عائلة القطط التى أنسلتها سنو فورثت كلها ذلك الفراء الناعم الغزير والذيل الفخم السميك، ويبدو أنه لاحظ تكبر هذه العائلة فوجد فى كوكو أخا أصغر أو ابنا ليس من صلبه، ولكنه لقيط مثله، فاحتواه ولم يكن ينازعه الطعام، بل وكان يتركه يرضع منه حتى ينام رغم أنه ذكر، ولكنه الحضن الدافئ الحنون الذى كان كوكو بحاجة إليه.
وذات يوم وهو يلعب مع لاكى كما لو كان لاكى أمه أو أنور وجدى، نظرت لكوكو وقد كبر قليلا فوصل لحجم محبب ويتميز بالظرف الشديد، فدعوت عليه قائلة: إلهى يوقف نموك. فقد تمنيت ألا يتغير منظره الجميل، وبالفعل مر العام ولم ينم أكثر من ذلك إلا قليلا، واتضح فيما بعد أنه قط قزم.
وإلى اللقاء مع القط الأعور الشهير بالبس.

 

 

حكاية البس


بدأت رحلتى مع القطط عندما انتقلنا للسكن فى بيتنا الذى لم أفارقه إلا للزواج، وبما أننا كنا نسكن فى الدور الأرضى ونطل على حديقة ويجاورنا سطح الجراج التابع للعمارة، كانت القطط تهفو إلينا من كل حدب وصوب، ولكننا تألفنا قطة رمادية صغيرة جميلة، وأسمينها بسة تيمنا بحلقات بوبى الحبوب التى كنا مولعين بها.
ثم اتضح أنه قط ذكر وليس قطة، فاحترنا ماذا نسميه، فقالت أختى نسميه البس، ومن يومها أصبح البس وليس بسة.
وكان هذا القط يحب أبى حبا شديدا ويغار عليه، فقد لاحظت أختى أنه يدير وجهه بغيظ إذا ما قامت واحدة منا بالتدلل على والدى، ولها الويل كل الويل لو قعدت فى حجره أو قبلته أى والدى فى حضرة البس. فكان لا يتورع أحيانا عن الانتقام منا ويخمشنا بمخالبه.
كان لونه رماديا فى أبيض، وكأنه يرتدى معطفا كمعاطف الملوك، وكان جميلا جدا إلا أنه كان مضطهدا من قبل أولاد الجيران ومن قبل البواب ولا أدرى لماذا كل هذا الحقد على قط جميل كالبس؟!! فقد جاء لنا ذات يوم وعينه متورمة للغاية وتسيل منها الدماء، حتى صفيت تماما فأصبح أعور، وكان خالى دائم الإغاظة لنا ويشبهه بموشى ديان.
ثم عاد إلينا يوما ما وقد أصيب إصابة شديدة فى ساقه الخلفية التى كسرت بقسوة وبفعل فاعل، وكان من دأبه إذا أصابه سوء أن يندس تحت سرير والدى ويبقى بالأيام حتى يشفى، فكنت أزحف على بطنى واترك له إناء به بعض اللبن كى لا يهلك جوعا.
وبعد أن شفيت هذه الساق جاءنا وساقه الأخرى مصابة، وتكررت رحلة الاستشفاء حتى قام بسلامة الله.
وبعدها بفترة جاءنا وهو بين الحياة والموت وفى مفصل ذراعه آثار ضرب بعصا بها مسامير، وقد تركت به عاهة دامت حتى وفاته، فكان يعرج بسبب هذه الإصابة، فصار أعور وأعرج، مما جعل خالى يغيظنا بتشبيهه بتيمور لنك بدلا من موشيه ديان.
ولكنه ظل فى نظرى أجمل وأحب القطط إلى نفسى، وذلك لوفائه الشديد لوالدى، فقد اختفى بعد وفاة والدى ولم يظهر مجددا إلا فى الأربعين، عندما وقف على حافة الشرفة ولم يدخل، وقد أقسمت أختى أنها رأته يبكى تحت نافذة حجرة والدى، ثم لم يعد أبدا.
رحم الله الجميع.

 

 

 على عكس ما يشاع عن القطط من الغدر، حسب عشرتى الطويلة لها وجدتها تتميز بالوفاء إلا أنها متقلبة المزاج، مشاعرها ومزاجها مزاج فنانين، والقط حيوان متسيد يقعد فى حجرك لا تحت قدميك كما تفعل الكلاب، فوفاء الكلاب أعمى، أما وفاء القطط فهو اختيارى.
فعلى سبيل المثال كانت سنو حادة الطبع جدا، وكانت من القطط التى توصف بالغدر، إلا أنها كانت شديدة الوفاء لأمى رحمها الله، رغم أنها لم تكن تداعبها أو تقترب منها، ولكن فى إحدى المرات التى مرضت أمى فيها مرضا شديدا، ظلت سنو تحت قدميها طوال فترة مرضها، رافضة مغادرة فراش أمى لأى سبب وتحت أى ضغط أو إغراء ولم تبرح مكانها إلا مع شفاء أمى وتعافيها.

 

مشمش الماكرة



المرة الوحيدة التى سمح فيها خالى باقتناء قطة حيث أقيم معه حاليا، كانت قطة مشمشية اللون أسميتها مشمش.
غير أنها كانت ماكرة للغاية وكرهتها بسبب هذا المكر، فكانت تفتح الثلاجة وتسرق منها الطعام، مما اضطرنا لإحكام غلق الثلاجة بواسطة كرسى قديم ضخم، فأصبح هذا الكرسى مكانها المفضل.عساها تنتهز فرصة غفلة أحدنا وسهوه عن غلق الباب بالكرسى وتنال ما فيه القسمة.
إلا أن أكثر يوم اغتظت فيه منها هو اليوم الذى استغلت فيه عمى والدتى.
فقد أصيبت والدتى رحمها الله بانفصال شبكى عينيها ولم نستطع إنقاذ بصرها إلا فى عين واحدة هى العين اليمنى، وذلك عن طريق جراحة دقيقة كانت مضرب المثل فى ذلك الحين، بعد أن قفز الدكتور أمين زايد فوق كافة الحواجز من حالة القلب إلى السكر المرتفع، إلى غير ذلك من الأمراض التى جعلت الجراحة نوعا من المجازفة.
وهكذا بقيت والدتى بعين واحدة. وذات يوم، وهو اليوم المشهود، وضعت لأمى قطعة دجاج فى طبقها، فسألتنى عنها.
فقلت لها: حطيتها لك يا ماما.
فقالت: أبدا.
فقلت لها: تلاقيكى كلتيها ونسيتى.
فقالت: أبدا ... ولا شفتها.
ونظرت فى الطبق، فوجدت مكان القطعة خاليا، ولا أثر لعظم أو جلد، وكذلك لا أثر لمشمش. ففهمت أنها سرقتها ولم أدر كيف حتى ضبطتها فى اليوم التالى وعرفت السر.
فبعد أن وضعت الطبق لأمى وقفت أراقب من بعيد، فوجدتها تتسلل وتصعد إلى السفرة وتأتى بجوار أمى من ناحية العين اليمنى ـ غير المبصرة ـ
وتمد يدها لتسرق قطعة اللحم من أمامها دون أن تراها.
ومنذ ذلك اليوم وحتى رحيل مشمش، صرت أحرص على شيئين أولهما أن أضع الطعام أمام والدتى جهة العين اليسرى، وثانيهما، أن أتحرى حبس مشمش طيلة تناول أمى طعامها او أنن أقف وأحرسها حتى تنتهى منه.
وللكرسى حكاية أخرى.