
فنان .. والعنوان إنسان
لن أكتب عن
ملاك اسمه يوسف شاكر ، بل عن إنسان كما ينبغى أن يكون الإنسان ، و كان هو أى يوسف
شاكر - ذلك الإنسان فى كثير من الأحيان ، لن أتحدث عن فنه و سأترك تلك المهمة أمانة
فى عنق زملائه و أساتذته ، فهم أدرى بقدره منى بحكم تخصصهم فحسب ، و لكنى سأتحدث ها
هنا عن لمحات من الذكريات التى جمعتنى و إياه علها تساعد فى رسم صورة تقريبية ليوسف
الذى أعرفه ، و قد تحمل فى طياتها حكايات شخصية بعضها مؤلم وبعضها بهيج
.
قد لا يعرف القارئ
صلة القرابة بينى و بين يوسف شاكر ، و ها أنا ذا أذكر أنه ابن خالى الأكبر
بالمعنيين ، أى أنه كان الولد الأكبر لخالى الأكبر ، و قد نشأنا معا كخمسة إخوة ثم
أصبحنا ستة بقدوم علياء صغرى إخوة يوسف ، و على غير عادة الكثيرين لم يباعد الزمان
بيننا و بينهم ، لذا تجدنى أحار من أين أبدأ و إلى أين أنتهى، ففى كل ركن من حياتى
أجد لمحة هنا و لمحة هناك لا تخلو من وجهه و لا من ثاقب رأيه و حسن تدبيره
.
و لعل أقرب ما يتبادر
إلى الذهن هو أبعدهم غورا فى الذاكرة ، يوم أن جلس إلى مكتبه فى البيت و نحن نلعب و
نصخب من حوله ، كان يومها فى العاشرة من عمره تقريبا ، و لكن موهبته كانت قد بدأت
فى سرقته منا ، فلم يكن يشعر بوجودنا ويبقى غارقا بين الورق و الألوان ، فى ذلك
اليوم تطفلت عليه و جلست أراقبه ثم أخذت فى مقاطعته ، و لم أكتف بهذا بل أخذت أقلب
فى أشيائه و أبدى إعجابى بها ، و كلما أعجبنى شئ و طلبته منه يعطينى إياه ، حتى
تنبهت أختى الكبرى لما يحدث فأوقفتنى عن هذا المسلك الذى لم أجد فيه ساعتها أية
غضاضة و ذلك لأن يوسف لم يبد أى امتعاض أو ضنة بما لديه . كان سخيا جوادا بما لديه
، و لم يتخل عن إسلوبه هذا حتى آ خر مرة رأيته فيها ، و لكن قبل أن أصل لآخر مرة ،
أكمل الحكاية بما حدث بعدها بسنوات بعد أن كبرنا ، وأصبح لكل منا بيت و أولاد ، فقد
كنا نتزاور ، و حدث ذات يوم أن ذهبنا اليه و كان على ابنى فى سنته الثانية من العمر
، وآلاء ابن يوسف يكبره بأعوام قليلة ، فوجدت الزمن يعيد نفسه ، إذ ظل على يبدى
إعجابه بلعب آلاء فيعطيه إياها عن طيب خاطر ، صحيح هذا الشبل من ذاك الأسد
...
و أقترب أكثر
بذاكرتى إلى اليوم الذى أصيبت فيه أمى بأزمة حادة فى المرارة مصحوبة بارتفاع شديد
لمستوى الأسيتون فى الدم ، وكان يوسف فى ذلك اليوم عندنا ، فتوجه بنا إلى المستشفى
، و لم يفارقنا حتى اطمأن على عمته أى والدتى و إلى أن حجزنا لها غرفة فى المستشفى
، و تمر السنوات و أمى لا تنسى له هذا الموقف المفعم بالرجولة و الإحساس بالمسئولية
رغم صغر سنه فى ذلك الحين ، و بعدها بسنوات عديدة و فى مرضها الأخير أدخلناها
المستشفى انتظارا للأجل المتربص بالنهاية , ستة عشر يوما و هو يأتى من الصبح حتى
موعد انتهاء الزيارة ، لدرجة أنه فى بعض الأحيان كان يغفو فى مكانه من فرط الإجهاد
.
و أمر ما فى هذه الذكرى و أحلاها أننى كنت شديدة الالتصاق بأمى و كنت أعيش معها و
أخدمها و لا أفارقها، و فى اليوم الرابع عشر لها فى المستشفى توقف قلبها عن الخفقان
و تم نقلها إلى الرعاية المركزة ، فلما أفاقت لم تقل سامية أو هدى ( أختى الكبرى
)
بل قالت يوسف ، حتى أن الأطباء استغربوا و قالوا إنها ما برحت تنادى شخصا اسمه يوسف
، فلتحضروه لها ، و بالفعل لم يتأخر عنها و أدخلوه عندها ليدور بينهما حديث طال
لمدة خمس عشر دقيقة لم يبح بما فيه حتى آخر عمره و حتى آخر عمرها الذى انقضى بعدها
بيومين
.
و لئن كنت قد
شعرت بالغيرة على أمى منه كلما تذكرت هذه الواقعة، تعود ذكرى أخرى فتمحو هذه الغيرة
لتحل محلها الشعور بالامتنان على مافيها من الألم ، فقد ابتليت بثكل ابنتى و هى
ابنة ستة عشر يوما ، و كنت فى ذلك الحين ذاهلة عن الدنيا بسبب هذه الفاجعة ، ثم
عرفت بعد ذلك أن يوسف كان مع زوجى خطوة بخطوة فى إجراءات الصلاة عليها و الدفن ، و
أنه كان له السند والعضد الذى
يتكئ عليه
.
ذلك كان
أخى يوسف بعطفه و كرمه و حنانه ، لا أذكر أنى مرضت و لم يعدنى ، و لاأذكر أنى
التجأت إليه و لم يغثنى ، أما عن آخر مرة رأيته فيها فكان ذلك فى المستشفى فى العام
الماضى قبل أن تنقطع أخباره ، كان مصابا بذبحة صدرية نتيجة لوجود جلطة ، يومها أصر
بكرمه المعهود على توصيلى حتى باب المستشفى بعد أن تم إغلاق الباب الرئيسى ، فخشى
على أن أضل الطريق و لو فى المستشفى
.
رحم الله يوسف شاكر الإنسان و على الله العوض فى الفنان
الذى ثكلته أمه و أمته
.
ملحوظة:
هذه المقالة نشرت فى مجلة أدب و نقد عدد ديسمبر 2005 فى ملف
خاص عن يوسف شاكر الفنان التشكيلى ، ومن أشهر أعماله لوجو المصرية للاتصالات و عمر
افندى ، هذا بخلاف أعماله المتنوعة فى دار الفتى العربى و مجلة الفنون الشعبية و
مجلة أدب و نقد ، و كان رحمه الله له باع طويل فى المشاركة فى الحياة الثقافية و
الفنية ، و كان اسمه معروفا لدى معظم العاملين فى وزارة الثقافة و لدى المتصلين
بها.