دقت الساعة السادسة وانا احث الخطى باتجاه ذلك المطعم الذى اعمل فيه في احدى الشواطئ الاوربية وعيناي معلقتاه بساعة معصمى الرخيصة لاحصى عدد الدقائق المتبقية لي حتى اصل الى هناك
حتى انحرف في ذلك الشارع الذى اتخذه دائما لاختصار الوقت ، وتنهدت في ارتياح وانا ارى باب المطعم في اخر الطريق ... فلم يعد امامى سوى دقيقة ونصف ...
وتناسيت العالم المحيط بي وانا احث الخطى اكثر واكثر باتجاه المطعم واستعيد ذكرياتى التى كانت تعد مثلا يحتذى به بين اصدقائى في احترامى للوقت ...
وخرجت من لجة افكارى على صوت صرخة اطلقتها احدى الفتيات التى تمسك بحقيبتها في استماته من شخص يريد سرقته ، فتوقفت لأرى المشهد والدماء العربية تغلى في عروقى ، ورأيت ذلك اللص وهو يستل مدية صغيرة من يده ليلوح بها في وجه الفتاة التى تراجعت بحركة غريزية والتفت اللص ليركض بالاتجاه المعاكس ليجدنى امامه وانا اهجم عليه تاركا كل الافكار والمشاكل وقد تحولت حياتى لهدف واحد
الامساك بهذا اللص
واستطعت ان اكبل حركته في صعوبة بعد ان سطقنا ارضا ، وفي محاولات شرسة ، استطاع اللص ان يجرحنى بالمدية التى يسمك بها في ذراعى الايسر ، وتراخت عضلات يدي في وهن لعدة ثوان من الاصابة وحاول ان يفلت منى مجددا ، ولكن الجماهير تزاحمت معى وتكابلت فجأة من كل صوب ممسكة بذلك اللص
واسرعت الفتاة تفحصنى وهي تنهال علي بعبارات الشكر والامتنان وتعرض علي ان تأخذنى لاقرب مستشفى ، واصرت كثيرا
ولكنى لم استطع ان اجيبها سوى بتمتمة متعثرة باللغة الايطالية
- اشكرك كثييرا ، ولكنى اريد ان الحق بعملى
وفوجئت بيد تربت على ظهرى واسمع صوت مديري المباشر وهو يقول
- لا تقلق يا بطل ، اذهب معها وسنراك في الغد
التفت اليه والدهشة ترتسم على وجهى وظهر الارتباك علي
فابتسم المدير وهو يطلق ضحكة صافية وهو يغمزنى بعينه اليمنى
- لم اكن ادري انك تتحلى بكل هذه الشجاعة ، ولكنك تستحق مكافآة حقيقية
اخرجت الفتاة الحسناء منديلا من حقيبتها التى كانت مصيدة اللص منذ لحظات ووضعته على جرحى وهى تقول
- اضغط علي الجرح حتى اجد لك سيارة أجرة لتنقلنا الى هناك فورا
اومأت برأسي موافقا ووقفت انظر الى الشرطى الذى حضر على الفور وهو يلقى الحقوق الخاصة بهذه البلاد على اللص وهو يضع الاغلال في معصميه
ودون سابق انذار انطلقت صرخة من وسط الحشد بلهجة طالما اشتقت اليها تنادي بأسمى
- طارق ، أهذا انت
التفت الى مصدر الصوت لاجد نفسي انطق بفرحة عارمة
- اكرم مجدى ، مستحيل
والتقينا في عناق حار ، ونسيت الالم والفرحة تغمرنى ونحن نتبادل عبارات الاشتياق والفرحة
وغادرنا المكان ، دون ان اتذكر ان الفتاة ستأتى من اجلى ...
وعلى بعد عدة امتار
جلسنا متلاصقين على احدى الكراسي الخشبية في تلك الحديقة العامة نتهامس ونضحك ونحن نتذكر ايام الجامعة
حتى هبط علينا الصمت بعد ان فرغت الحديقة من معظم روداها
والتفت الي اكرم ليسألنى بغتة
- لماذا تركت القاهرة يا طارق
قلبت شفتاى في امتعاض مجيبا
- ولماذا ابقى ، لقد حاربت الامواج كثيرا دون جدوى
هتف كارم في استنكار
- ومستقبلك الادبي
ضحكت في سخرية مريرة وانا اجيبه
- لقد سئمت من البحث عن ممول طوال الخمسة سنوات ، وفي كل لقاء لا اجد سوى الوعود ... والوعود فقط
نظر اكرم في استرابة من الامر وهو يسأل
- ودار النشر الخليجية ، مالذى جرا بها
اطلقت ضحكة تفوح منها رائحة المرارة والقهر مجيبا
- لقد ارسلت اليها روايتين ، ولاقت استحسانهم ، ولكن الكاتب المصرى الشهير ، صاحب اروع المسلسلات سبقنى اليهم وقرأت الخبر في احدى الصحف
صمت لبرهة وانا التقط انفاسي واكمل
- ثم غادرت البلاد
امسك اكرم بكتفا طارق وهو يهزه في قوة قائلا
- ماذا فعلت ايها التعس
ارتبك طارق بشدة وهو ينظر الى صديقه وهو لا يعرف ماذا اصابه فقال متسائلا :
- ماذا هناك يا اكرم ، ان ذراعى مازال يؤلمنى
تركه اكرم في سرعة وهو يصرخ
- ايها الغبي ، الم تقرأ النتائج التى أُعلنت في الجرائد ، لقد فزت بالجائزة
انتفض جسد طارق غير مصدق وانا احدق في وجه اكرم كالأبله
- ماذا تقول
هز اكرم رأسه في غضب وهو يجيب :
- لقد تم اختيارك داخل لجان التحكيم ، وطرح صاحب دار النشر مدخل القصة ، وانتظرك الجميع ، وفوجئنا بك تغادر البلاد دون ان نعلم ، واجدك اليوم هنا ، وانت تعمل في احد المطاعم ، اي فعل احمق هذا يا رجل
اهتزت شفتا طارق ، وترقرقت عيناه بالدموع غير مصدق
وزفر اكرم وهو يلقى بتذكرة الحديقة على الأرض ويدعسها بقدمه لينهض من مقعده في حركة حادة
- لقد خيبت آمالنا جميعا ، وتركت بلادك واصدقائك وعائلتك غير مكترث سوى بنفسك
والقى اكرم نظرة طويلة وتحولت المنطقة كصورة جامدة لعدة دقائق
ثم رفع اكرم يديه ملوحا وهو يقول
- سأراك فيما بعد يا طارق
واسرع يغادر الحديقة تاركا وراءه ذلك الاديب ... وهو ينظر الى تلك التذكرة الملقاه على الارض
ودموعه تنساب في ألم ... وصمت
معلنة وفــاة الأديب
الكاتب :
أيمن شوقي