- بقي زر واحدٌ فقط …
تقدمَ بخطى متباطئة ، بعدما أشرتُ إليه بالاقترابِ… لففتُ ذراعي حول عنقِه،فنشبَ العرق بتقاسيم وجهه، فاض… حتى انزلق من مقدمة أنفه ليرتطم بجسدي ،قلت في نفسي – زبون لخمة ؟!أهلاً وسهلاً…-، حرقة داهمت عيني عندما أصابتها شظايا من عرقه الساخن ,شعرني أتألم؛فحصر وجهي بين كفيه المرتعشتين ،حدق بملامحي، جذب نفساً عميقاً … ثم نكس رأسه ؛ فتلاقت زفرته مع أنفاسي … اقترب بشفتيه من وجهي ، بينما كنت أتهيأ لالتقاطهما ، انحرف بهما فوق رأسي ، قبلني عليها … صمت قليلاً، ثم اعتذر ؛ فانفجرت بضحكتي المعهودة – من أي مريخ سقطت علىّ يا هذا ؟! ، انتفض من الفراش ، أشاح بظهره عني ، ثم دفن وجهه بين راحتيه …
- استغفر الله العظيم .. استغفر الله العظيم
ارتعد جسده عندما حاولت لمسه بيدي، دفعني بقوة ، و صرخ:
- ابتعدي عني … ابتعدي يا …
ربت على شعري ثم خرج مسرعاً ، وهو يتخبط بأثاث المنزل …
***** * ***** *****
دلفت إلى الصالة ،وأنا أعد رزمة النقود التي دسها تحت وسادتي ، غريب أمر هذا الرجل!! ، المبلغ أكثر بكثير من المتفق عليه ،هــه (ياما لسه هنشوف ) ، وفجأة …انفجرت بضحكتي التي طالما اشتكى منها الجيران ، عندما وقعت عيني على جوربه المحشو بفم حذائه ….
المجنون!!
- خرج بدون حذاء ؟!
أمرت الخادمة بأن تزيحه عن الطريق ؛ لربما يتعثر به زبون جديد … التفتت إلي وهي تحمله بين يديها :
-(الفطار جاهز يا ستي)
تجاهلت ما أخبرتني به ، لا أشعر بشهية للطعام الآن، أمرتها بأن تأتي إليّ بزجاجة (ويسكي) وكأس ، غابت عني بعد أن تمتمت بنثرات غير مفهومة … آآه … لم يطرق الشرود بابي منذ ألف عام ، كنت أعيش قبلها على أحلام فارسي المتيم، حقاً لا أعلم لمَ سحبني اليوم كي امتطي حصانه الأبيض، وأطير معه فوق أجنحة الفراشات الملونة.. قاطعتني الخادمة اللعينة…:
-(الإزازة يا ستي)
**** **** ****
- آخر قطرة …
كل شيء ينتهي ، لكني إلى الآن لا أرى نهايتي ، تمر السنون ، ثم تمر ، وأنا كما أنا لا أمضي، توقف الماضي عندي خلف وجوه زبائني التي لا أذكر منها وجهاً واحداً ، ولا يعنيني ذكراها في شيء ، فأنا أمقت كل الوجوه من حولي ، حتى وجه أمي ، نعم وجه أمي الذي ألقاني للذئاب ، تطبخ لحمي لهم ، كي لا يأكلنا الفقر ، لم يكن عندها ما تمتلكه غيري ، لذلك كان يجب عليها أن تتاجر بي ، فهجرتني أحلامي ، وقصائدي الصغيرة ، وكتبي الممزقة ، مزقوا كل ملابسي ، حتى اعتدت على خلعها بنفسي ..
ياااه …
- من أي مريخ سقطت عليّ يا هذا ؟
قاطعتني حميدة :
(ستي الهدوم دي لاقيتها … )
لكن ضحكاتي التي طالما اشتكي منها الجيران ، حرمت الخادمة من متعة الإدلاء بالخبر …
المجنون !!!
- خرج عارياً؟!
**** **** ****
باليوم التالي ..
على طاولة إفطاري أحتسي قهوتي أمام صفحات الجريدة ، قوانين جديدة ، أسعار تتوحش ، وأزياء تليق بعملي ، صفحة الحوادث :
- القبض على قاتل زوجته ، وأولاده…
- قتل جاره والسبب رغيف خبز …
- سرقة كلب حراسة لأحد الوزراء…
انحبست أنفاسي …. ازدردت دهشتي ، معقول هذا ؟؟ !!!
- البحث عن رجل يسير عارياً بالشارع، يقبل رءوس النساء ثم يعتذر…
لملمت الجريدة ، تركت دموعي ، وقهوتي ،
فتحت الباب ، انطلقت نحو الشارع وأنا أحمل ملابسه …
الكاتب : محمد سامي البوهي
ارسال تعليق
المكتبة الالكترونية
حمل نسختك الآن
مجموع الكتب = 36
تحديث يوم 4/12/2009