تقدمت سيدة في منتصف العقد الثالث من عمرها بسيارتها من باب أحد أكبر أقسام الشرطة في مدينة القاهرة
وبالرغم من العسكري البسيط الذى يقف على باب القسم الذى تقدم منها متلعثما وهو يتأمل وجهها قائلا في قلق :
- من تريدين يا سيدتى..؟
عدلت السيدة من منظارها الشمسى وهي تجيب :
- أريد أن أقابل المأمور لأمر عاجل
عدل العسكرى من وضع قبتعه ودار الأمر في رأسه في سرعة ، قبل أن يسألها في توتر :
- هل لي أن أطلع على بطاقتك ؟
أخرجت السيدة بطاقتها في بساطة تناولها إياه
فألتقطها العسكرى ليقيد المعلومات في سرعة قبل أن يعيدها ويفتح البوابة لتدلف بسيارتها الفاخرة إلى الداخل في نعومة ويسر حتى أوقفتها في أول موقف صادفها وأرتجلت منها في سرعة ، متجهة إلى أول مكتب رأته لتدخله سائلة بصوت عالي :
- أين مكتب المأمور ؟
صمت الضباط وهم يتناولون النظرات بينهم قبل أن ينهض أحد الضباط ويتجه لها قائلا :
- وهل أنت من أقارب سيادة المأمور..؟
هزت رأسها نافية وهي تجيب في حزم واضح :
- كلا ولكن يجب أن أراه الآن فالموضوع عاجل للغاية ولن أتحمل مسؤولية أي تأخير
أعقبت قولها وهي تلقى نظرة متوتر على ساعتها ، فعاد الضابط يتبادل النظرات مع زملاءه قبل أن يحسم أمره قائلا :
- حسنا فليكن ، أتبعيني من فضلك
وبخطوات سريعة أنتقل الأثنان إلى الطابق العلوى وأشار لها بالتوقف قبل أن يطرق الباب في سرعة ، منتظرا حتى جاء صوت المأمور ففتح الباب في هدوء وأختفى داخل الحجرة ، وظلت خلفه السيدة تحدق في الباب وهي تشعر أن الزمن قد تجمد وأصبح تسمع صوت أنفاسها المتلاحقة
فقد كانت تعلم تمام العلم أنه لم يعد هناك مجال للعودة
حتى ظهر الضابط أخيرا أمامها مشيرا لها بالدخول ، فتحركت فورا ودخلت الحجرة ، لتجد المأمور يجلس خلف مكتبه وهو يقوم بالتوقيع على أحد الأوراق ولم يرفع نظره إليها سائلا :
- تفضلي بالجلوس ، مالذى يقدمه لك المأمور في شئ بالغ الخطورة كما تدعين
صمتت السيدة ، ثم أقتربت وهي تستند على مكتب المأمور وتهتف بلهجة غامضة:
- أحمل لك خبر مقتل المحافظ شخصيا
*********
ساد الصمت لعدة ثوانى بعد أن تجمدت يد المأمور على الورق وخلع نظارته الطبية ورفعها إلى تلك السيدة التى بدت كمجنونة تقف أمامه ، ثم حرك يده اليمنى ببطء ليضغط أحد الأزرار التى هي بجاوره قائلا :
- هل يمكنك أن تعيدي ما ذكرتيه للتو يا سيدتى..؟
زفرت السيدة في عصبية وهي تجيب :
- بل سمعتنى جيدا يا سيادة المأمور ، محافظكم قد قتل البارحة ، وستجدون جثته ملقاة بالقرب من سيارته على سفح المقطم في نهاية الشارع الذي يقيم به
لم تنتهى من حديثها حتى دخل نفس الضابط الذى أصطحبها منذ دقائق إلى حجرة المأمور وهو يدخل ليؤدى التحية العسكرية
فأشار المأمور إلى السيدة بالجلوس وسأل الضابط :
- هل أخذت بيانات السيدة يا سامح..؟
أرتبك سامح قبل أن يغمغم قائلا :
- كلا ، ولكنى آثرت أن أقدمها لسياد ....
قاطعه المأمور بسرعة :
- أريد أن تحضر كل ما يلزم إلى مكتبي فورا فسوف أقوم على أستجوابها بنفسي ، وأذهب بنفسك الآن بقوة كاملة لبيت المحافظ وقم بتفتيش سيارته ومنزله بالكامل ، فنحن أمام بلاغ بمقتله
زاد أرتباك النقيب سامح ولكنه حسم أمره سريعا وهو يؤدى تحيه العسكرية قائلا :
- كما تأمر يا سيدي
وغادر الحجرة وإحساسه يؤكد له أن الأمر طارئ وغير طبيعي
وقد كان إحساسه صادق
إلى أقصى حد
*****
أشعلت السيدة سيجارة دون أن تستأذن من المأمور الذى تمالك أعصابه بشده وهو يضع المطفأة أمامها وهو يقول في لهجة آمرة :
- هل تعيريني بطاقتك وتخبريني بمعلوماتك الأساسية سريعا ؟
نفثت السيدة دخانها في توتر وهي تناوله بطاقتها مجيبة :
- أسمي - نجوى سليمان - ، مذيعة في قناة الحقيقة ، وزوجة رجل الأعمال - كامل نشأت-
ضاقت عينا المأمور قليلا وهو يكرر أسم زوجها في عقله ، فأومات نجوى برأسها في سرعة وهي تجيب :
- أجل ، وزير الإسكان الأسبق
تراجع المأمور في مقعده قليلا وهو يجيبها مداعبا البطاقة :
- أكملي ، كلي آذان صاغية يا سيدة نجوى
رفعت نجوى رأسها قليلا وهي تتأمل السقف لثانيتين قبل أن تقول :
- أصابنى الأرق البارحة ، بعد مكالمة زوجى بعد ذلك المؤتمر الذى سافر إليه منذ أربعة أيام ، وخرجت إلى شرفتى لأدخن إحدى سجائرى كالعادة ، وتعرفت على سيارة المحافظ تسير بمفردها ولكن بسرعة بطيئة للغاية بدون حراسه ، وهو ما أثار شكوكي وتابعتها ببصري حتى توقف بسيارته بعد منزلى بعدة أمتار تجاه الشرق إلى جوار فتاة تمشي بمفردها في الشارع
صمتت قليلا لتأخذ أحد أنفاسها من السيجارة فسألها المأمور :
- كم كانت الساعة يا نجوى ؟
نفثت نجوى الدخان للمرة الأخيرة قبل أن تسحقها في توتر بالغ على المطفأة :
- كانت بعد منتصف الليل بقليل ، لا أستطيع أن أحدد لك الوقت بدقة
قاطعهما صوت طرقات سريعة على الباب ودخل أحد الضباط وهو يحمل أحد أجهزة التسجيل الحديثة وأسرع يضعها على مكتب المأمور ، فرفع المأمور يده وسأله في حدة :
- أترك الأجهزة الآن ، هل ذهبت القوة مع النقيب سامح أم لا ؟
أجابه الضابط في سرعة :
- أجل يا سيدي ، أنطلقوا منذ دقيقتين تقريبا
تناول المأمور جهاز اللاسلكى من جواره وفتحه وهو يهتف :
- نقيب سامح ، هل تسمعنى ، حول ؟
أجابه صوت سامح وهو يجيبه:
- أجل يا سيدي ، نحن في الطريق وسنكون في الموقع في غضون عشرون دقيقة على الأكثر
زفر المأمور وهو يأمره في صرامة :
- سأترك القناة مفتوحة ووافنى بالتفاصيل فور وصولك
ووضع الجهاز أمامه وهو يرمق - نجوى - في شك ملحوظة وهي يقول لها :
- أكملي حديثك يا نجوى
أنطلقت نجوى تتحدث في سرعة وكأنها تنتظر الأمر :
- في بداية الأمر لم أكن أتوقع أن المحافظ يقف لفتاة مثلها في هذا الوقت ، وخصوصا أنه كان بمفرده بدون حراسته ، فدخلت إلى حجرتى مسرعة لألتقط هاتفى المحمول وأهاتف زوجته بعد أن شعرت بخيانته ، فقد كانت زوجته صديقتي ، ولكنها لم تجب إتصالى فعدت إلى الشرفة من جديد ، ورأيت الفتاة وهي تميل على كرسي السائق وتتحدث لدقيقة أو أثنتين ، وأنا متحجرة في الشرفه أتابعها ببصرى حتى دارت الفتاة حول مقدمة السيارة في زواية يصعب علي رؤيتها تماما ، لتدخل إلى المقعد المجاور للسائق ولم تتحرك السيارة لفترة طويلة ، حتى إنني كدت أن أفكر في أن أخرج لأرى ماذا يجرى هنا
صمتت لدقائق حتى تلتقط أنفاسها ثم أكملت :
- حتى سمعت صوت طلق النارى ، كلا كانت طلقتين متتاليتين ، حينها فقط تراجعت إلى داخل المنزل في سرعة وأتصلت بزوجي وأنا أرتعد فأخبرنى أن أظل في منزلي وأغلق كل الأبواب وأنه سوف يتصل بكم
جاء دور المأمور مشعلا لأحد سجائره متابعا الحديث بكل تركيز وهو يسألها :
- وبعدئذ ، ماذا حدث ؟
مضت ساعتين ونصف وأعدت الاتصال به ولكنه لم يجبنى ، وبعد أن تجاوزت الساعة الثالثة صباحا كاد القلق أن يعصف بي وأنا أتصل به دون مجيب ، فأتصلت بصديقتى - نورهان - من جديد لأخبرها أن تأتى في أسرع وقت ولم أرغب في أن أخبرها ماحدث ، وبعدها بساعة تقريبا أتصل بي زوجي ليخبرنى أن كل معارفه في مؤتمر شرم الشيخ وأنه أبلغهم بالأمر ، ولكني لم أطق الإنتظار في أن أحضر إليك مباشرة ، وخرجت من الباب الخلفي للفيلا لكي لا أقترب من سيارة المحافظ حتى وصلت الي هنا ، وهذا ما حدث
يتبع في العدد القادم
الكاتب :
م / أيمن شوقي