- ماذا يعنى لك الشرف
اخترقت الكلمة مسامعى وانا انفث دخان الارجيلة التى اشتقت لها كثيرا ، حتى انتابنى سعال بسيط وانا انظر الى صديقي آسر متأملا ملامحه في هدوء ، لكنه حافظ على جمود قسماته وهو يواصل نفث الدخان هو الاخر بدوره مترقب اجابتى في بساطة وكأنه لم يلق شيئا
حتى فشلت في استقراء ما يدور بخلده فتراجعت في مقعدى بهدوء وانا استنشق رائحة التفاح من خرطوم الارجيلة في بطء وانفث الهواء لأجيب :
- هناك عشرات المعانى للشرف يا آسر ، فهناك شرف المهنة والاخلاق
قاطعنى آسر في هدوء وهو مبتسم :
- دعك من هذا الكلام يا يزيد ، بعقلك الشرقي تعرف ما اريده من معنى الشرف
دارت عيني في حيرة حقيقية مجددا وانا اتطلع الي آسر دون جدوى ،فهززت كتفاي مستسلما :
- الشرف هو عدم الخيانة الجنسية بين اثنين يلفهم اطار الحب وان كنت لم اعترف به
وضع آسر مبسم الارجيلة الى جواره على الطاولة وتناول عصيره ليرتشفه في استمتاع ثم اجاب :
- هذا هو وجهة نظرك ككاتب وروائي ام كرجل ذو خبرة في الحياة
زفرت في ضيق وقلت في شئ من الحدة :
- كفى عبثا وهات ما عندك ، اننى لا احب المماطلة في الحديث
اتسعت ابتسامة آسر وهو يرتشف باقى العصير في سرعة ويكمل استرخائه على الكرسي ويلتقط المبسم مجددا :
- دائما ما كنت اكره الروايات الخيالة وحتى الافلام ، لم اكن اقتنع سوى بشئ من الواقع المحيط بي ، واتعجب من محاولاتك الجاهدة في اختلاق عدد من القصص تضع فيها العالم في اطار حالم يثير امتعاضى يا صديقي
قاطع حديثه ليسحب دفقة كبيرة من الدخان ويختزنها في صدره قليلا ثم يطلقها متابعا :
- ها انا ذا ، لم اعترف بشئ يربطنى بشخص لدرجة العبادة لادعى انه الحب ، او اصف بعض التنازلات عن مبادئي واحكامى بسبب جسد امرأه ، وقد كنت على صواب الى حد كبير ، بدليل ان جميع الاصدقاء المشتركين قد تزوجوا ولم نجد بهم احد سعيد حتى هذه اللحظة
وانحنى تجاهي وهو يحدق في بشكل مباشر وهو يضغط على حروفه قائلا :
- ام ان لديك رأيا مخالفا يا يزيد
سرت رجفة صغيرة في جسدي قبل ان اقول في اقتضاب :
- أكمل حديثك
اطلق آسر ضحكة عالية وكأنه حقق انتصارا خفيا وكنت استشعر من داخلى انه على حق بشكل كبير ولكنى فضلت ان اصل الى نهاية ما يدور برأسه ، وقاطعنى وهو يشير بسببابته وابهامه
- لدي لك واقعتين ، ولكنى لا اعتقد انك لديك الجرأة ان تكتب عنهما يا رومانسي العصر
واعتدل في مقعدة بحركة سريعة وهو يلقى الخرطوم قائلا
- كما تعلم اننى انتقلت مؤخرا الى منصب ممتاز في احدى شركات الانترنت العالمية واصبحت مسؤولا عن المبيعات التى تحققها احدى اكبر مواقع الانترنت بالوطن العربي من خدمات الاتصال السريع للانترنت وخلافه
لم انبس بحرف واحد وانا اهز رأسي موافقا واكمل استنشاق الدخان بعد ان ركزت حواسي كلها على شفتى يزيد وهو يستطرد
- اتصلت بي احدى العملاء واعذرني عن عدم ذكرى لاسمها ، وذلك بسبب رغبتها عن وضع اعلان لشركة سياحية صغيرة تمتلكها على الموقع الخاص بنا ، واخذت منها بقية التفاصيل ولكن فيما يبدوا انه قد جائها هاتف اخر اثناء محادثتنى فاتربكت واخبرتنى انها ستعاود الاتصال بي فاجبتها بسرعة انى سأضيف بريدها الخاص لدي لترسل لي باقى التفاصيل ايضا وانتهى اليوم في سلام حتى ذهبت الى منزلي وبعد حفلة صغيرة مع احدي الزميلات غادرت المنزل وذهبت انا لتفقد ايميلي الخاص ، فوجدتها على برنامج المحادثة
صمت قليلا ليلتقط انفاسه ويكمل بابتسامة خبيثة
- في بداية الامر فضلت عدم الحديث معها ، ولكن احببت ان اعرف جديتها في الاعلان ، وفي قرار نفسي احببت ان ادس اصابعي في تفاصيلها وعن امكانية اللهو معها ، فانطلقت في الحديث واعتذرت كثيرا لان الهاتف الذى قاطعنا في الصباح كان من زوجها في الخليج واعطتنى بقية التفاصيل وبالطبع تراجعت عن فكرة اللهو معها ودار الحديث على بعض الامور اليومية الطبيعية وذهبت الى النوم
شرد قليلا بعد حديثه فقاطعته بعد ان اثار فضولى فسألته
- وماذا حصل بعد ذلك يا آسر ، اكمل قصتك
نظر الي ثم شرد ببصره في ارضية المقهى واكمل حديثه قائلا
- بعد يومين كانت قد ارسلت المبلغ المطلوب لوضع الاعلان وربطتنا علاقة مرحة وجميلة ولكن من ضحكاتها استطعت بخبرتى ان استشف انه يمكن ان اشق طريقا جديدا للهو ، وبالفعل وقبل ان يمضى الاسبوع الاول ، استطعت ان امارس معها الجنس على الهاتف وكانت في منتهى السعادة لذلك
اتسعت عيناى في دهشة وانا لا اصدق ما اسمعه ولكنى اطبقت على شفتي دون مقاطعة ليكمل آسر
- وكانت لها تقارب فكرى كبير بيني وبينها ، حتى انها كانت تحب ان تحدثنى دائما وهي عارية في فراشها حتى
ثم صمت وهو يضحك في سخرية مريرة لم افهم لها معنى واخذت نفسا عميقا لاسيطر على انفعالى ورفع آسر رأسه وهو ينظر الي
- حتى اتصلت بي في المساء وهي تبكى ، لتخبرنى انها لم تستطع ان تخلع ملابسها امام زوجها على كاميرا الانترنت عندما طلب منها هذا ، ولم تقدر على ان تتنازل
وانطلقت ضحكة تجلجل في المكان
وبشدة
*******
ضحكت بالرغم من دهشتى لعبارة آسر ولكن كان لضحكته وقع كوميدي بحق ، حتى انتهى واستعاد هدوئه وهو يقول
- أتعلم يا يزيد ، اننى طلبت ان اقابلها وندخل احد الافلام السينمائية كخطوة أولى بعد ان فهمت انها زوجها قد كتب كتابه عليها فقط دون ان يتزوجها ، ورحبت بالفكر لكني انشغلت بعدها بفترة في عدد من الاعمال وانقطعت الاخبار بيننا ، حتى عادت تحدثنى بعد عام كامل انها تزوجته بالفعل وايضا استشعرت بهذا الباب مايزال مفتوح والترحيب من خلفه
انحنيت على وجه آسر لأساله بشكل مباشر
- هل تقول الحقيقة يا آسر ام انها احدى طرائفك
مط آسر شفتيه قائلا
- ولماذا اخترع شيئا قد حدث بالفعل ويحدث اكثر منه ايضا
سألته في سرعة
- وماذا عن الواقعة الثانية
اشعل آسر سيجارته هذه المرة وهو يقول
- هل ستنشر ما اقوله ، اعنى هل لديك الجرأة لتصنع من شئ واقعي عمل أدبي كما تدعي لنا دائما في اخبارك واعمالك
زفرت في ضيق واضح ، فضحك آسر من جديد وهو يلوح بيده اليسرى
- حسنا ، لاداعى لكل هذا الغصب ، سأخبرك
وأخذ بعدها نفسا عميقا من سيجارته ورفع رأسه الى السماء وهو ينفثه في قوة قبل ان يواصل النظر الى السماء قائلا دون ان ينزل بصره عنها
- لست في حاجة لاتباهى بعلاقاتى المتعددة ، واصدقك القول اننى لم اكن انعم بالسعادة بعد كل علاقة كما يتوقع البعض ، بل كانت في كثير من الاوقات تشعرنى بالوحدة وانفجر بعدها في عملي متنسيا كل ما مررت به
ثم خفض رأسه لينظر الي مباشرة من جديد مكملا
- حتى وصلت الى درجة صحية سيئة في احدى ليالي شتاء القاهرة ، وبالمصادفة جائنى هاتف في الليل بانه هناك عدد من الطلبات قد تقدموا به للابتعاث في رحلة لاحدى دول النفط المجاورة وذلك لتأسيس احدى شبكات الاتصالات الجديدة هناك
شرد آسر ببصره قليلا وارتسمت على شفتيه شبح ابتسامة سريعة
- لا داعي لذكر تفاصيل ، فهى لاتهمك ويمكنك ان تنسج بداية لها من خيالك ، ولكن ما يهم الان هو اننى تعرفت على فتاة ، او بمعنى ادق زوجة تعمل في مركز حساس في تلك البلد وعلى قدر كبير من الجمال والثروة ، ولديها ابنة ومتزوجة ومستقرة بشكل يحلم به اي فتاة لدينا ، بل ان احلامها لن تصل الى ما تعيش به من رغد ونعيم
ظهر الارتياب على ملامحى وانا احاول توقع ما سوف يأتي من فم آسر هذه المرة وبدأت اشعر بصدقه على عكس لقائتنا العادية واعتدلت وانا اغوص في كلماته وهو يسترسل قائلا
- كنت احادثها بشكل عابر ، كاحد العلاقات العامة والمهمة التى اكتستبتها في تلك البلاد ، وحيث اننى في النهاية لم يكن من الممكن ان افكر في ان ابدء اللهو معها لمركزها وايضا لعدم استقرارى حيث اننى سأغادر بمجرد الانتهاء من تركيب الشبكة مع فريق البعثة
صمت آسر قليلا ثم رمي سيجارته على الارض ليسحقها بقدمه في عنف لا داعي له وهو يجيب في انفعال
- حتى كانت احدى محادثات الانترنت ، محادثة عادية للغاية ، زلت فيها كلماتها لتكشف احدى الكلمات الجنسية التى لا تمت لحديثنا بأدنى صلة
ولم يكن هناك ما يقال
****
ساد الصمت لعدة دقائق وانا احملق في ملامح آسر الذى ظل شاردا قليلا حتى سرت تلك الرعشة الخفيفة في جسده واستطعت تميزها وهو يبتسم قائلا
- ما يضحك هنا يا يزيد انها كانت تفكر في الامر وانا لم اكن ارغب به ، احتراما لبيت وزوجة وابنة ، واستنتاجا لذلك الوسط المريح ، فكيف يمكن لعقل ان يستوعب كيان المرأة التى تترك حياة كاملة بكل متعها ، بل ومتعتها الكاملة مع زوجها لتفكر في متعة خيالية وسطحية بدون ذلك العمق التى تمارسه بدون خجل في غرفة نومها
قاطعته غير مصدق لما يقول
- هل تعنى انها من دعتك وطلبت العلاقة ، هل تريد اقناعى انها تركت كل ما تتحدث عنه من اجل علاقة عابرة معك يا دنجوان
هز آسر رأسه نافيا وهو يكمل
- انتظر حتى انتهى يا يزيد ، لا شئ لدي لكي اضيفه على الحقيقة ، لست مؤلفا ولا دنجوانا
ثم التقط نفسا عميقا ليستطرد مبتسما
- لم التق بعدها بعد تلك المحادثة على المسنجر الالكتروني ، وقد جفلت من ان التقى بها وانا مقيم في تلك البلاد وآثرت الرجوع سالما الى وطني ، ولكن بعد عودتى عادت للاتصال بي تلفونيا ، وتحدثنا كثيرا ، وكشفت لي ادق اسرار حياتها الزوجية ، واندهشت انهم يعانون ايضا من ذلك التغيب وانعدام الثقافة ، وايضا من هوس غريب لا اعرف مصدره
صمت قليلا آسر قليلا فقطعت حبل الصمت بسرعة قائلا
- وهل ايضا مارست معها المتعة عبر الهاتف
تجمد بصر آسر تجاهي قبل ان يرفع يده مشيرا باصابعه
- ثلاث مرات
وهنا فقط ، احسست بعدم الرغبة في الحديث
تماما
**********
أتى الجرسون ليرفع الطلبات التى كنا نستهلكها طوال حديثنا ولم يدر بيننا اي حديث لفترة تعدت العشر دقائق وقام آسر بدفع المبلغ المطلوب وانا اراقبه في صمت
- لاتنظر لي كأني شخص مجرم ، انت لا تعلم كيف يمكنك ان تحكم على الناس ، ولم اجبر شخصا على فعل شئ لا يرغبه معي يا يزيد ، الحياة مليئة بالتناقضات التى تثير الجنون ان حاولت ان تجد لها منطقا معقولا ، فقد اصبحت الحاجة والحرمان صفة تغطى حياتنا بشكل دائم ، ولا يمكنك ان تدعي الشهامة والمروءة لتجازف بحياتك وحياة من معك للسباحة ضد التيار من اجل اثبات أمل ضعيف بعد ان نخر الفساد عظامه
صمت قليلا ليلتقط انفاسه مكملا
- لا ادعي شرفا ولا اوصد باب الاحترام ، لكن الزواج في بلادنا اصبح له طابع مرير يفقد الرجل رغبته في الزواج من قبل ما يحدث ، صدقنى لقد حاولت الارتباط لأكثر من مرة ولكن الامر لم يكن يكلل بالنجاح ولمئات الاسباب ، وكنت اتغاظى عنها بسبب الوصول الى نهاية الدرج ، لكن القدر ايضا كان يقف بالمرصاد
صمت قليلا ليطلق زفرة قبل ان تلمع عيناه قليلا بدمعة حبيسة جذبت انتباهى
- لم تعد الخيانة كما نذكرها تبدأ من الرجل ، بل صدقنى انها مشتركة بنسبة متساوية بين الزوجين ، وفي اللحظة التى يفكر احدهما في خيانة الاخر ، صدقنى سيجد ان الخيانة عبارة عن مخدر يهرب اليه ليسكن الآمه ولكن لكن شخص طريقة وبصمة ستظل في حياته
ونهض مسرعا وهو يلقى التحية تاركا اياي في حيرة متخبطا في تلك الافكار
لم يكن لاجل كتابتها ، بل لاجل حكمتها القاسية
لم يكن امامى سوى ان اذكر الحديث كما هو
فليس له طابع ادبي يمكننى ان احيكه عليها ويعود الفضل في ذلك الي صديق خائن
وزوجات مراهقات
الكاتب :
أيمن شوقي